فصل: تفسير الآية رقم (87)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الماوردي المسمى بـ «النكت والعيون» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏45- 47‏]‏

‏{‏وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ‏(‏45‏)‏ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ‏(‏46‏)‏ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ‏(‏47‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ونادى نوحٌ ربه فقال رَبِّ إنَّ ابني من أهلي‏}‏ وإنما قال ‏{‏من أهلي‏}‏ لأن الله تعالى وعده أن ينجي أهله معه‏.‏

‏{‏وإن وعدك الحق‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما الذي يحق فلا يخلف‏.‏

الثاني‏:‏ الذي يلزم كلزوم الحق‏.‏

‏{‏وأنت أحكم الحاكمين‏}‏ يعني بالحق‏:‏ فاحتمل هذا من نوح أحد أمرين‏:‏ إما أن يكون قبل علمه بغرق ابنه فسأل الله تعالى له النجاة، وإما أن يكون بعد علمه بغرقه فسأل الله تعالى له الرحمة‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قال يا نوح إنه ليس من أهلك‏}‏ فيه ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنه ولد على فراشه ولم يكن ابنه وكان لغيره رشدة، قاله الحسن ومجاهد‏.‏

الثاني‏:‏ أنه ابن امرأته‏.‏

الثالث‏:‏ أنه كان ابنه، قاله ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ ما بغت امرأة نبي قط‏.‏

وقيل إن اسمه كان كنعان، وقيل بل كان اسمه يام‏.‏

قال الحسن‏:‏ وكان منافقاً ولذلك استعجل نوح أن يناديه فعلى هذا يكون في تأويل قوله تعالى ‏{‏إنه ليس من أهلك‏}‏ وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ ليس من أهل دينك وولايتك، وهو قول الجمهور‏.‏

الثاني‏:‏ ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك، قاله سعيد بن جبير‏.‏

‏{‏إنه عملٌ غير صالحٍ‏}‏ فيه ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ أن مسألتك إياي أن أنجيه عمل غير صالح، قاله قتادة وإبراهيم وهو تأويل من قرأ عملٌ غير صالح بالتنوين‏.‏

والثاني‏:‏ معناه أن ابنك الذي سألتني أن أنجيه هو عملٌ غير صالحٍ، أي أنه لغير رشدة، قاله الحسن‏.‏

والثالث‏:‏ أنه عملٌ غير صالحٍ، قاله ابن عباس، وهو تأويل من لمن ينون‏.‏

‏{‏فلا تسألن ما ليس لك به علمٌ‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ فيما نسبته إلى نفسك وليس منك‏.‏

الثاني‏:‏ في دخوله في جملة من وعدتك بإنجائهم من أهلك وليس منهم‏.‏

‏{‏إني أعظُك أن تكون من الجاهلين‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ من الجاهلين بنسبك‏.‏

الثاني‏:‏ من الجاهلين بوعدي لك‏.‏

وفي قوله ‏{‏إني أعظك‏}‏ تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ معناه إني رافعك أن تكون من الجاهلين‏.‏

الثاني‏:‏ معناه أني أحذرك ومنه قوله تعالى ‏{‏يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً‏}‏ أي يحذرّكم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏48- 52‏]‏

‏{‏قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏48‏)‏ تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ‏(‏49‏)‏ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ ‏(‏50‏)‏ يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ ‏(‏51‏)‏ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ‏(‏52‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏يُرْسِلِ السماء عليكم مدراراً‏}‏ فيه وجهان‏:‏ أحدهما‏:‏ أنه المطر في إبانه، قاله هارون التيمي‏.‏

الثاني‏:‏ المطر المتتابع، قاله ابن عباس‏.‏

ويحتمل وجهين آخرين‏:‏

أحدهما‏:‏ يُدرُّه عند الحاجة‏.‏

والثاني‏:‏ يُدرُّ به البركة، وهو مأخوذ من درور اللبن من الضرع‏.‏ ‏{‏ويزدكم قوة إلى قوتكم‏}‏ فيه أربعة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ يعني شدة إلى شدتك، قاله مجاهد‏.‏

الثاني‏:‏ خصباً إلى خصبكم، قاله الضحاك‏.‏

الثالث‏:‏ عزاً إلى عزكم بكثرة عددكم وأموالكم، قاله علي بن عيسى‏.‏ الرابع‏:‏ أنه ولد الولد، قاله عكرمة‏.‏ ويحتمل خامساً يزدكم قوة في إيمانكم إلى قوتكم في أبدانكم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏53- 60‏]‏

‏{‏قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آَلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ‏(‏53‏)‏ إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ‏(‏54‏)‏ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ ‏(‏55‏)‏ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏56‏)‏ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ‏(‏57‏)‏ وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ‏(‏58‏)‏ وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ‏(‏59‏)‏ وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ ‏(‏60‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏‏.‏‏.‏‏.‏ إن ربي على صراط مستقيم‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ على الحق، قاله مجاهد‏.‏

الثاني‏:‏ على تدبير محكم، قاله علي بن عيسى‏.‏

ويحتمل ثالثاً‏:‏ أنه على طريق الآخرة في مصيركم إليه للجزاء وفصل القضاء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏61‏]‏

‏{‏وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ‏(‏61‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏‏.‏‏.‏‏.‏ هو أنشأكم من الأرض‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ خلقكم من الأرض لأنكم من آدم وآدم من الأرض، قاله السدي‏.‏

والثاني‏:‏ معناه أنشأكم في الأرض‏.‏

والثالث‏:‏ أنشأكم بنبات الأرض‏.‏

‏{‏واستعمركم فيها‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ معناه أعمركم فيها بأن جعلكم فيها مدة أعماركم، قاله مجاهد، من قولهم أعمر فلان فلاناً داره فهي له عمرى‏.‏

الثاني‏:‏ امركم بعمارة ما تحتاجون إليه فيها بناء مساكن وغرس أشجار قاله علي بن عيسى‏.‏

الثالث‏:‏ أطال فيها أعمالكم، قال الضحاك، كانت أعماركم ألف سنة إلى ثلاثمائة سنة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏62- 63‏]‏

‏{‏قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ‏(‏62‏)‏ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ‏(‏63‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏قالوا يا صالحُ قد كنت فينا مرجُوّاً قَبل هذا‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أي مؤملاً برجاء خيرك‏.‏

الثاني‏:‏ أي حقيراً من الإرجاء وهو التأخير، فيكون على الوجه الأول عتباً، وعلى الثاني زجراً‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قال يا قوم أرأيتم إن كُنْتُ على بينةٍ من ربي‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ على حق بَيّن‏.‏

الثاني‏:‏ على حجة ظاهرةٍ‏.‏ وقال الكلبي على دين من ربي‏.‏

‏{‏وآتاني منه رحمة‏}‏ قال ابن جرير الطبري يعني النبوة والحكمة‏.‏

‏{‏فمن ينصرني من الله إن عصيته‏}‏ أي فمن يدفع عني عذاب الله إن عصيته بطاعتكم‏.‏

‏{‏فما تزيدونني غير تخسير‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ يعني ما تزيدونني في احتجاجكم بتباع آبائكم إلا خساراً تخسرونه أنتم، قاله مجاهد‏.‏

الثاني‏:‏ فما تزيدونني مع الرد والتكذيب إن أجبتم إلى ما سألتم إلا خساراً لاستبدال الثواب بالعقاب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏64- 68‏]‏

‏{‏وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ ‏(‏64‏)‏ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ‏(‏65‏)‏ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ‏(‏66‏)‏ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ‏(‏67‏)‏ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ ‏(‏68‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وأخذ الذين ظلموا الصيحةُ‏}‏ فيها ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أن جبريل عليه السلام صاح بهم‏.‏

الثاني‏:‏ أن الله تعالى أحدثها في حيوان صاح بهم‏.‏

الثالث‏:‏ أن الله تعالى أحدثها من غير حيوان‏.‏

‏{‏فأصبحوا في ديارهم جاثمين‏}‏ لأن الصيحة أخذتهم ليلاً فأصبحوا منها هلكى‏.‏ ‏{‏في ديارهم‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ في منازلهم وبلادهم، من قولهم هذه ديار بكر وديار ربيعة‏.‏

الثاني‏:‏ في دار الدنيا لأنها دار لجميع الخلق‏.‏

وفي ‏{‏جاثمين‏}‏ وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ مبيتين، لأن الصحية كانت بياتاً في الليل، قاله عبد الرحمن بن زيد‏.‏ الثاني‏:‏ هلكى بالجثوم‏.‏

وفي الجثوم تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه السقوط على الوجه‏.‏

الثاني‏:‏ أنه القعود على الرُّكب‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏كأن لم يغنوا فيها‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ كأن لم يعيشوا فيها‏.‏

الثاني‏:‏ كأن لم ينعموا فيها‏.‏

‏{‏ألا إنَّ ثمود كفروا ربهم‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ كذبوا وعيد ربهم‏.‏ الثاني‏:‏ كفروا بأمر ربهم‏.‏

‏{‏ألا بُعْداً لثمود‏}‏ فقضى عليهم بعذاب الاستئصال فهلكوا جيمعاً إلا رجلاً منهم وهو أبو رمحان كان في حرم الله تعالى فمنعه الحرم من عذاب الله تعالى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏69- 73‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ‏(‏69‏)‏ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ ‏(‏70‏)‏ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ‏(‏71‏)‏ قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ‏(‏72‏)‏ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ‏(‏73‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى‏}‏‏.‏ أما إبراهيم ففيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه اسم أعجمي، قاله الأكثرون‏.‏ وقيل معناه أب رحيم‏.‏

الثاني‏:‏ أنه عربي مشتق من البرهمة وهي إدامة النظر‏.‏

والرسل جبريل ومعه ملكان قيل إنهما ميكائيل وإسرافيل عليه السلام وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه كان المرسل مع جبريل اثني عشر ملكاً‏.‏

وفي البشرى التي جاءوه بها أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ بشروه بنبّوته، قاله عكرمة‏.‏

الثاني‏:‏ بإسحاق، قاله الحسن‏.‏

الثالث‏:‏ بشروه بإخراج محمد صلى الله عليه وسلم من صلبه وأنه خاتم الأنبياء‏.‏

الرابع‏:‏ بشروه بهلاك قوم لوط، قاله قتادة‏.‏

‏{‏قالوا سلاماً قال سلامٌ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما تحية من الملائكة لإبراهيم عليه السلام فحياهم بمثله فدل على أن السلام تحية الملائكة والمسلمين جميعاً‏.‏

الثاني‏:‏ سلمت أنت وأهلك من هلاك قوم لوط‏.‏

وقوله ‏{‏سلام‏}‏ أي الحمد لله الذي سلّمني، فمعنى سلام‏:‏ سلمت‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي ‏{‏سِلم‏}‏ بكسر السين وإسقاط الألف‏.‏

واختلف في السلم والسلام على وجهين‏:‏ أحدهما‏:‏ أن السلم من المسالمة والسلام من السلامة‏.‏

الثاني‏:‏ أنهما بمعنى واحد، قال الشاعر، وقد أنشده الفراء لبعض العرب‏:‏

وقفنا فقلنا إيه سِلْم فسَلّمَتْ *** كما اكتلَّ بالبرْقِ الغمامُ اللوائحُ

‏{‏فما لبث أن جاء بعجل حنيذ‏}‏ ظنَّ رُسُل ربه أضيافاً لأنهم جاؤُوه في صورة الناس فعجل لهم الضيافة فجاءهم بعجل حنيذ‏.‏ وفي الحنيذ قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه الحار، حكاه أبان بن تغلب عن علقمة النحوي‏.‏

الثاني‏:‏ هو المشوي نضيجاً وهو المحنوذ مثل طبيخ ومطبوخ وفيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ هو الذي حُفر له في الأرض ثم غُمَّ فيها، قال الشاعر‏:‏

اذا ما اعتبطنا اللحم للطالب القِرى *** حنذناه حتى عَين اللحم آكله

الثاني‏:‏ هو أن يوقد عل الحجارة فإذا اشتد حرها ألقيت في جوفه ليسرع نضجه، قال طرفة بن العبد‏:‏

لهم راحٌ وكافور ومسكٌ *** وعِقر الوحش شائله حنوذ

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم‏}‏ في نكرهم وأنكرهُم وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن معناهما مخلتف، فنكرهم إذا لم يعرفهم ونكرهم إذا وجدهم على منكر‏.‏

الثاني‏:‏ أنهما بمعنى واحد، قال الأعشى‏:‏

وأنكَرَتْني وما كان الذي نكرت *** من الحوادث إلا الشيب والصّلَعا

واختلف في سبب إنكاره لهم على قولين‏:‏

أحدهما‏:‏ أنهم لم يطعموا، ومن شأن العرب إذا نزل بهم ضيف فلم يطعم من طعامهم ظنوا به سوءاً وخافوا منه شراً، فنكرهم إبراهيم لذلك، قاله قتادة‏.‏ والثاني‏:‏ لأنه لم تكن لهم أيدي فنكرهم، قاله يزيد بن أبي حبيب‏.‏ وامتنعوا من طعامه لأنهم ملائكة لا يأكلون ولا يشربون‏.‏

‏{‏وَأَْوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أضمر في نفسه خوفاً منهم‏.‏

والثاني‏:‏ أحسّ من نفسه تخوفاً منهم، كما قال يزيد بن معاوية‏:‏

جاء البريد بقرطاس يُخَبُّ به *** فأوجس القلبُ من قرطاسه جزعا

‏{‏قالوا لا تخف إنا أُرسلنا إلى قوم لوط‏}‏ يعني بهلاكهم‏.‏ وفي إعلامهم إبراهيم بذلك وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ ليزول خوفه منهم‏.‏

والثاني‏:‏ لأن إبراهيم قد كان يأتي قوم لوط فيقول‏:‏ ويحكم أينهاكم عن الله أن تتعرضوا لعقوبته فلا يطيعونه‏.‏ ‏{‏وَامْرأَتُهُ قَائِمَتٌ فَضَحِكَتْ‏}‏ وفي قيامها ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنها كانت قائمة من وراء الستر تسمع كلامهم، قاله وهب‏.‏

الثاني‏:‏ أنها كانت قائمة تخدمهم، قاله مجاهد‏.‏

الثالث‏:‏ أنها كانت قائمة تُصَلّي، قاله محمد بن إسحاق‏.‏ ‏{‏فَضَحِكَتْ‏}‏ فيه ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ يعني حاضت، قاله مجاهد والعرب تقول ضحكت المرأة إذا حاضت، والضحك الحيض في كلامهم، قال الشاعر‏:‏

وضحك الأرانب فوق الصفا *** كمثل دم الخوف يوم اللّقا

والثاني‏:‏ أن معنى ضحكت‏:‏ تعجبت، وقد يسمى التعجب ضحكاً لحدوث الضحك عنه، ومنه قول أبي ذؤيب‏.‏

فجاء بمزجٍ لم ير الناس مثله *** هو الضحك إلاّ انه عمل النحل

الثالث‏:‏ أنه الضحك المعروف في الوجه، وهو قول الجمهور‏.‏

فإن حمل تأويله على الحيض ففي سبب حيضها وجهان‏:‏ أحدهما‏:‏ أنه وافق وقت عاتها فخافت ظهور دمها وأرادت شداده فتحيرت مع حضور الرسل‏.‏

والقول الثاني‏:‏ ذعرت وخافت فتعجل حيضها قبل وقته، وقد تتغير عادة الحيض باختلاف الأحوال وتغير الطباع‏.‏

ويحتمل قولاً ثالثاً‏:‏ أن يكون الحيض بشيراً بالولادة لأن من لم تحض لا تلد‏.‏

وإن حمل تأويله على التعجب ففيما تعجب منه أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنها تعجبت من أنها وزوجها يخدمان الأضياف تكرمة لهم وهم لا يأكلون، قاله السدي‏.‏

الثاني‏:‏ تعجبت من أن قوم لوط قد أتاهم العذاب وهم غافلون، قاله قتادة‏.‏

الثالث‏:‏ أنها عجبت من أن يكون لها ولد على كبر سنها وسن زوجها، قاله وهب بن منبه‏.‏

الرابع‏:‏ أنها تعجبت من إحياء العجل الحنيذ لأن جبريل عليه السلام مسحه بجناحه فقام يدرج حتى لحق بأمه وأم العجل في الدار، قاله عون بن أبي شداد‏.‏

وإن حمل تأويله على ضحك الوجه ففيما ضحكت منه أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ ضحكت سروراً بالسلامة‏.‏

الثاني‏:‏ سروراً بالولد‏.‏ الثالث‏:‏ لما رأت ما بزوجها من الورع، قاله الكلبي‏.‏

الرابع‏:‏ أنها ضحكت ظناً بأن الرسل يعملون عمل قوم لوط، قاله محمد بن عيسى‏.‏

‏{‏فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب‏}‏ وفي ‏{‏وراء‏}‏ ها هنا قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن الوراء ولد الولد، قاله ابن عباس والشعبي‏.‏

الثاني‏:‏ أنه بمعنى بعد، قاله مقاتل، وقال النابغة الذبياني‏:‏

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة *** وليس وراءَ اللهِ للمرء مذهبُ

فعجلوا لها البشرى بالولدين مظاهرة للنعمة ومبالغة في التعجب، فاحتمل أن يكون البشارة بهما باسميهما فيكون الله تعالى هو المسمى لهما، واحتمل أن تكون البشارة بهما وسماها أبوهما‏.‏

فإن قيل‏:‏ فلم خصت سارة بالبشرى من دون إبراهيم‏؟‏ قيل عن هذا ثلاثة أجوبة‏:‏

أحدها‏:‏ أنها لما اختصت بالضحك خصت بالبشرى‏.‏

الثاني‏:‏ أنهم كافأُوها بالبشرى مقابلة على استعظام خدمتها‏.‏

الثالث‏:‏ لأن النساء في البشرى بالولد أعظم سروراً وأكثر فرحاً‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ سمي إسحاق لأن سارة سحقت بالضحك حين بشرت به‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوزٌ وهذا بَعْلي شيخا‏}‏ لم تقصد بقولها يا ويلتا الدعاء على نفسها بالويل ولكنها كلمة تخفُّ على أفواه النساء إذا طرأ عليهن ما يعجبن منه، وعجبت من ولادتها وهي عجوز وكون بعلها شيخاً لخروجه عن العادة، وما خرج عن العادة مستغرب ومستنكر‏.‏

واختلف في سنها وسن إبراهيم حينئذ، فقال مجاهد‏:‏ كان لسارة تسع وتسعون سنة وكان لإبراهيم مائة سنة‏.‏

وقال محمد بن إسحاق‏:‏ كانت سارة بنت تسعين سنة وكان إبراهيم ابن مائة وعشرين سنة‏.‏

وقال قتادة‏:‏ كان كل واحد منهما ابن تسعين سنة‏.‏ وقيل انها عرّضت بقولها ‏{‏وهذا بعلي شيخاً‏}‏ عن ترك غشيانه لها، والبعل هو الزوج في هذا الموضع، ومنه قوله تعالى ‏{‏وبعولتهن أحق بردّهن في ذلك‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 228‏]‏‏.‏

والبعل‏:‏ المعبود، ومنه قوله تعالى ‏{‏أتدعون بعلاً‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 125‏]‏ أي اليها معبوداً‏.‏

والبعل السيد، ومنه قول لبيد‏.‏

حاسري الديباج عن أذرعهم *** عند بعل حازم الرأي بَطل

فسمي الزوج بعلاً لتطاوله على الزوجة كتطاول السيد على المسود‏.‏

‏{‏إن هذا لشيء عجيب‏}‏ أي منكر، ومنه قوله تعالى ‏{‏بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 2‏]‏ أي أنكروا‏.‏ ولم يكن ذلك منها تكذيباً ولكن استغراباً له‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏74- 76‏]‏

‏{‏فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ ‏(‏74‏)‏ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ‏(‏75‏)‏ يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آَتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ‏(‏76‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فلما ذهب عن إبراهيم الرّوع‏}‏ يعني الفزع، والرُّوع بضم الراء النفس، ومنه قولهم ألقى في رُوعي أي في نفْسي‏.‏

‏{‏وجاءتْهُ البشرى‏}‏ أي بإسحاق ويعقوب‏.‏

‏{‏يجادلنا في قوم لوط‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ أنه جادل الملائكة بقوله ‏{‏إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينة وأهله‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 32‏]‏ قاله الحسن‏.‏

الثاني‏:‏ أنه سألهم أتعذبونهم إن كان فيها خمسون من المؤمنين‏؟‏ قالوا لا، قال‏:‏ فإن كان فيها أربعون‏؟‏ قالوا‏:‏ لا، إلى أن أنزلهم إلى عشرة، فقالوا‏:‏ لا، قاله قتادة‏.‏ الثالث‏:‏ أنه سألهم عن عذابهم هل هو عذاب الاستئصال فيقع بهم لا محالة على سبيل التخويف ليؤمنوا، فكان هذا هو جداله لهم وإن كان سؤالاً لأنه خرج مخرج الكشف عن أمر غامض‏.‏

قال أبو مالك‏:‏ ولم يؤمن بلوط إلا ابنتاه رقية وهي الكبرى وعروبة وهي الصغرى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏77- 79‏]‏

‏{‏وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ ‏(‏77‏)‏ وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ‏(‏78‏)‏ قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ‏(‏79‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ولما جاءَت رُسُلنا لوطاً سيء بهم وضاق بهم ذراعاً‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ ساء ظنه بقومه وضاق ذرعاً بأضيافه‏.‏

ويحتمل وجهاً آخر أنه ساء ظنه برسل ربه، وضاق ذراعاً بخلاص نفسه لأنه نكرهم قبل معرفتهم‏.‏

‏{‏وقال هذا يومٌ عصيب‏}‏ أي شديد لأنه خاف على الرسل من قومه أن يفضحوهم على قول ابن عباس، وعلى الاحتمال الذي ذكرته خافهم على نفسه فوصف يومه بالعصيب وهو الشديد، قال الشاعر‏:‏

وإنك إلاّ ترض بكر بن وائل *** يكن لك يومٌ بالعراق عصيب‏.‏

قال أبو عبيدة‏:‏ وإنما قيل له عصيب لأنه يعصب الناس بالشر، قال الكلبي‏:‏ كان بين قرية إبراهيم وقف لوط أربعة فراسخ‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وجاءه قومُه يهرعون إليه‏}‏ أي يسرعون، والإهراع بين الهرولة والحجزى‏.‏ قال الكسائي والفراء‏:‏ لا يكون الإهراع إلا سراعاً مع رعدة‏.‏

وكان سبب إسراعهم إليه أن أمرأة لوط أعلمتهم بأضيافه وجَمالهم فأسرعوا إليه طلباً للفاحشة منهم‏.‏

‏{‏ومن قبل كانوا يعملون السيئات‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ من قبل إسراعهم اليه كان ينكحون الذكور، قاله السدي‏.‏

الثاني‏:‏ أنه كانت اللوطية في قوم لوط في النساء قبل الرجال بأربعين سنة، قاله عمر بن أبي زائدة‏.‏

‏{‏قال يا قوم هؤلاء بناتي هُنَّ أطهر لكم‏}‏ قال لهم لوط ذلك ليفتدي أضيافه منهم‏.‏

‏{‏هؤلاء بناتي‏}‏ فيهن قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه أراد نساء أمته ولم يرد بنات نفسه‏.‏ قال مجاهد وكل نبي أبو أمّته وهم أولاده‏.‏ وقال سعيد بن جبير‏:‏ كان في بعض القرآن‏:‏ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزاجه أمهاتهم وهوأب لهم‏.‏

الثاني‏:‏ أنه أراد بنات نفسه وأولاد صلبه لأن أمره فيهن أنفذ من أمره في غيرهن، وهو معنى قول حذيفة بن اليمان‏.‏

فإن قيل‏:‏ كيف يزوجهم ببناته مع كفر قومه وإيمان بناته‏؟‏

قيل عن هذا ثلاثة أجوبة‏:‏

أحدها‏:‏ أنه كان في شريعة لوط يجوز تزويج الكافر بالمؤمنة، وكان هذا في صدر الإسلام جائزاً حتى نسخ، قاله الحسن‏.‏

الثاني‏:‏ أنه يزوجهم على شرط الإيمان كما هو مشروط بعقد النكاح‏.‏

الثالث‏:‏ أنه قال ذلك ترغيباً في الحلال وتنبيهاً على المباح ودفعاً للبادرة من غير بذل نكاحهن ولا بخطبتهن، قاله ابن أبي نجيح‏.‏

‏{‏هن أطهر لكم‏}‏ أي أحل لكم بالنكاح الصحيح‏.‏

‏{‏فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ لا تذلوني بعار الفضيحة، ويكون الخزي بمعنى الذل‏.‏ الثاني‏:‏ لا تهلكوني بعواقب فسادكم، ويكون الخزي بمعنى الهلاك‏.‏ الثالث‏:‏ أن معنى الخزي ها هنا الاستحياء، يقال خزي الرجل إذا استحى، قال الشاعر‏:‏

من البيض لا تخزى إذا الريح ألصقت *** بها مِرطها أو زايل الحلي جيدها

والضيف‏:‏ الزائر المسترقد، ينطلق على الواحد والجماعة، قال الشاعر‏:‏

لا تعدمي الدهر شفار الجازر *** للضيف والضيف أحق زائر

‏{‏أليس منكم رجلٌ رشيد‏}‏ فيه وجهان‏:‏ أحدهما‏:‏ أي مؤمن، قاله ابن عباس‏.‏ الثاني‏:‏ آمر بالمعروف وناهٍ عن المنكر، قاله أبو مالك‏.‏ ويعني‏:‏ رجل رشيد ليدفع عن أضيافه، وقال ذلك تعجباً من اجتماعهم على المنكر‏.‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ ما لنا فيهن حاجة، قاله الكلبي‏.‏

الثاني‏:‏ ليس لنا بأزواج، قاله محمد بن إٍسحاق‏.‏

‏{‏وإنك لتعلم ما نريد‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ تعلم أننا لا نتزوج إلا بامرأة واحدة وليس منا رجل إلا له امرأة، قاله الكلبي‏.‏

الثاني‏:‏ أننا نريد الرجال‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏80- 81‏]‏

‏{‏قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ‏(‏80‏)‏ قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ‏(‏81‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قال لو أن لي بكم قوة‏}‏ يعني أنصاراً‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ أراد الولد‏.‏ ‏{‏أو آوي إلى رُكنٍ شديد‏}‏ يعني إلى عشيرة مانعة‏.‏ وروى أبو سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «يرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد»‏.‏ يعني الله تعالى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «فما بعث الله بعده نبياً إلا في ثروة من قومه

»‏.‏ قال وهب بن منبه‏:‏ لقد وجدت الرسل على لوط وقالوا‏:‏ إن ركنك لشديد‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قالوا يا لوط إنا رُسُل ربِّك لن يصلوا إليك‏}‏ وفي اسمه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه اسم أعجمي وهو قول الأكثيرين‏.‏ الثاني‏:‏ أنه اسم عربي مأخوذ من قولهم‏:‏ لطتُ الحوض إذا ملسته بالطين‏.‏ وقيل إن لوطاً كان قائماً على بابه يمنع قومه من أضيافه، فلما أعلموه أنهم رسل ربه مكّن قومه من الدخول فطمس جبريل عليه السلام على أعينهم فعميت، وعلى أيديهم فجفت‏.‏

‏{‏فأسْرِ بأهلك‏}‏ أي فسِرْ بأهلك ليلاً، والسُري سير الليل، قال عبد الله بن رواحة‏:‏

عند الصباح يحمد القوم السُرَى *** وتنجلي عنهم غيابات الكرى

يقال وأسرى وفيها وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن معناهما في سير الليل واحد‏.‏

الثاني‏:‏ أن معناهما مختلف، فأسرى إذا سار من أول الليل، وسرى إذا سار في آخره، ولا يقال في النهار إلا سار، قال لبيد‏:‏

إذا المرءُ أسرى ليلة ظن أنه *** قضى عملاً، والمرءُ ما عاش عامِلُ

‏{‏بقطعٍ من الليل‏}‏ فيه أربعة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ معناه سواد الليل، قاله قتادة‏.‏

الثاني‏:‏ أنه نصف الليل مأخوذ من قطعه نصفين، ومنه قول الشاعر‏:‏

ونائحةٍ تنوح بقطع ليل *** على رجلٍ بقارعة الصّعيد

الثالث‏:‏ أنه الفجر الأول، قاله حميد بن زياد‏.‏ الرابع‏:‏ أنه قطعة من الليل، قاله ابن عباس‏.‏ ‏{‏ولا يلتفت منك أحد‏}‏ فيه ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ لا ينظر وراءه منكم أحد، قاله مجاهد‏.‏ الثاني‏:‏ يعني لا يتخلف منك أحد، قاله ابن عباس‏:‏

الثالث‏:‏ يعني لا يشتغل منكم أحد بما يخلفه من مال أو امتناع، حكاه علي بن عيسى‏.‏

‏{‏إلا امرأتك إنّه مُصيبها ما أصابهم‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن قوله ‏{‏إلا امرأتك‏}‏ استثناء من قوله ‏{‏فأسر بأهلك بقطع من الليل الا امرأتك‏}‏ وهذا قول من قرأ ‏{‏إلا امرأتك‏}‏ بالنصب‏.‏

الثاني‏:‏ أنه استثناء من قوله ‏{‏ولا يلتفت منك أحد إلا امرأتك‏}‏ وهو على معنى البدل إذا قرئ بالرفع‏.‏

‏{‏إنه مصيبها ما أصابهم‏}‏ فذكره قتادة أنها خرجت مع لوط من القرية فسمعت الصوت فالتفتت، فأرسل الله عليهم حجراً فأهلكها‏.‏ ‏{‏إنّ موعدهم الصبح أليْسَ الصُّبحُ بقريبٍ‏}‏ فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «إن لوطاً لما علم أنهم رسل ربه قال‏:‏ فالآن إذن فقال له جبريل عليه السلام ‏{‏إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب» ويجوز أن يكون قد جعل الصبح ميقاتاً لهلاكهم لأن النفوس فيه أودع والناس فيه أجمع‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏82- 83‏]‏

‏{‏فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ ‏(‏82‏)‏ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ‏(‏83‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فلمّا جاء أمرُنا‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ أنه أمر الله تعالى للملائكة‏.‏ الثاني‏:‏ أنه وقوع العذاب بهم‏.‏

الثالث‏:‏ أنه القضاء بعذابهم‏.‏

‏{‏جعلنا عاليَها سافلَها‏}‏ قال محمد بن كعب القرظي إن الله تعالى بعث جبريل إلى مؤتفكات قوم لوط فاحتملها بجناحه ثم صعد بها حتى إن أهل السماء يسمعون نباح كلابهم وأصوات دجاجهم، ثم قلبها فجعل عاليها سافلها وأتبعها بحجارة من سجّيل حتى أهلكها وما حولها، وكن خمساً‏:‏ صبغة ومقرة وعمرة ودوما وسدوم وهي القرية العظمى‏.‏

وقال قتادة‏:‏ كانوا في ثلاث قرى يقال لها سدوم بين المدينة والشام وكان فيها أربعة آلاف ألف‏.‏

‏{‏وأمطرنا عليها حجارة من سجّيل‏}‏ فيه ثمانية تأويلات‏:‏ أحدها‏:‏ أنه فارسي معرب وهو «سنك وكيل» فالسنك‏:‏ الحجر، والكيل الطين، قاله ابن عباس‏.‏

الثاني‏:‏ أنه طين قد طبخ حتى صار كالأرحاء، ذكره ابن عيسى‏.‏

الثالث‏:‏ أنه الحجارة الصلبة الشديدة، قاله أبو عبيدة وأنشد قول ابن مقبل‏:‏

ورحلة يضربون البيض عن عَرَضٍ *** ضربا تواصى به الأبطال سجّينا

إلا أن النون قلبت لاماً‏.‏

الرابع‏:‏ من سجيل يعني من سماء اسمها سجيل، قاله ابن زيد‏.‏

الخامس‏:‏ من سجيل من جهنم واسمها سجين فقلبت النون لاماً‏.‏

السادس‏:‏ أن السجيل من السجل وهو الكتاب وتقديره من مكتوب الحجارة التي كتب الله تعالى أن يعذب بها أو كتب عليها، وفي التنزيل ‏{‏كلا إن كتاب الفجار لفي سجين‏.‏ وما أدراك ما سجين‏.‏ كتاب مرقوم‏}‏ ‏[‏المطففين‏:‏ 7-9‏]‏ السابع‏:‏ أنه فِعِّيل من السجل وهو الإرسال، يقال أسجلته أي أرسلته، ومنه سمي الدلو سجلاً لإرساله فكان السجل هو المرسل عليهم‏.‏

الثامن‏:‏ أنه مأخوذ من السجل الذي هو العطاء، يقال سجلت له سجلاً من العطاء، فكأنه قال سُجلوا البلاء أي أعطوه‏.‏

‏{‏منضود‏}‏ فيه تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ قد نُضَّد بعضه على بعض، قال الربيع‏.‏

الثاني‏:‏ مصفوف، قاله قتادة‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏مسومة عند ربك‏}‏ والمسومة‏:‏ المعلّمة، مأخوذ من السيماء وهي العلامة، قال الشاعر‏:‏

غُلامٌ رماه الله بالحُسْن يافعا *** له سيمياءٌ لا تشقُ على البصر

وفي علامنها قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنها كانت مختمة، على كل حجر منها اسم صاحبه‏.‏

الثاني‏:‏ معلمة ببياض في حمرة، على قول ابن عباس، وقال قتادة‏:‏ مطوقة بسواد في حمرة‏.‏

‏{‏عند ربك‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ في علم ربك، قال ابن بحر‏.‏

الثاني‏:‏ في خزائن ربك لا يملكها غيره ولا يتصرف فيها أحد إلا بأمره‏.‏ ‏{‏وما هي من الظالمين ببعيد‏}‏ فيه أربعة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ أنه ذكر ذلك وعيداً لظالمي قريش، قاله مجاهد‏.‏

الثاني‏:‏ وعيد لظالمي العرب، قال عكرمة‏.‏

الثالث‏:‏ وعيد لظالمي هذه الأمة، قاله قتادة‏.‏

الرابع‏:‏ وعيد لكل ظالم، قاله الربيع‏.‏ وفي الحجارة التي أمطرت قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه أمطرت على المدن حين رفعها‏.‏ الثاني‏:‏ أنها أمطرت على من لم يكن في المدن من أهلها وكان خارجاً عنها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏84‏]‏

‏{‏وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ‏(‏84‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وإلى مَدِين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبُدوا الله ما لكم من إله غيره‏}‏ ومدين هم قوم شعيب، وفي تسميتهم بذلك قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ لأنهم بنو مدين بن إبراهيم، فقيل مدين والمراد بنو مدين، كما يقال مضر والمراد بنو مضر‏.‏

الثاني‏:‏ أن مدين اسم مدينتهم فنسبوا إليها ثم اقتصر على اسم المدينة تخفيفاً‏.‏

ثم فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه اسم أعجمي‏.‏

الثاني‏:‏ أنه اسم عربي وفي اشتقاقه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه من قولهم مدن بالمكان إذا أقام فيه، والياء زائدة، وهذا قول من زعم أنه اسم مدينة‏.‏

الثاني‏:‏ أنه مشتق من قولهم دَيَنْت أي ملكت والميم زائدمة، وهذا قول من زعم أنه اسم رجل‏.‏ وأما شعيب فتصغير شعب وفيه ثلاثة أوجه‏:‏ أحدها‏:‏ أنه الطريق في الجبل‏.‏

الثاني‏:‏ أنه القبيلة العظيمة‏.‏

الثالث‏:‏ أنه مأخوذ من شَعْب الإناء المكسور‏.‏

‏{‏ولا تنقصوا المكيال والميزان‏}‏ كانوا مع كفرهم أهل بخس وتطفيف فأمروا بالإيمان إقلاعاً عن الشرك، وبالوفاء نهياً عن التطفيف‏.‏

‏{‏إني أراكم بخير‏}‏ فيه تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه رخص السعر، قاله ابن عباس والحسن‏.‏ الثاني‏:‏ أنه المال وزينة الدنيا، قال قتادة وابن زيد‏.‏ ويحتمل تأويلاً ثالثاً‏:‏ أنه الخصب والكسب‏.‏

‏{‏إني أخافُ عليكم عذاب يومٍ محيط‏}‏ فيه ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ غلاء السعر، وهو مقتضى قول ابن عباس والحسن‏.‏ الثاني‏:‏ عذاب الاستصال في الدنيا‏.‏

الثالث‏:‏ عذاب النار بالآخرة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏85- 86‏]‏

‏{‏وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ‏(‏85‏)‏ بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ‏(‏86‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين‏}‏ فيها ستة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ يعني طاعة الله تعالى خير لكم، قاله مجاهد‏.‏

الثاني‏:‏ وصية من الله، قاله الربيع‏.‏

الثالث‏:‏ رحمة الله، قاله ابن زيد‏.‏

الرابع‏:‏ حظكم من ربكم خير لكم، قاله قتادة‏.‏

الخامس‏:‏ رزق الله خير لكم، قاله ابن عباس‏.‏

السادس‏:‏ ما أبقاه الله لكم بعد أن توفوا الناس حقوقهم بالمكيال والميزان خير لكم، قاله ابن جرير الطبري‏.‏

‏{‏وما أنا عليكم بحفيظ‏}‏ يحتمل ثلاثة أوجه‏:‏ أحدها‏:‏ حفيظ من عذاب الله تعالى أن ينالكم‏.‏

الثاني‏:‏ حفيظ لنعم الله تعالى أن تزول عنكم‏.‏

الثالث‏:‏ حفيظ من البخس والتطفيف إن لم تطيعوا فيه ربكم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏87‏]‏

‏{‏قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ‏(‏87‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا‏}‏ في ‏{‏صلاتك‏}‏ ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ قراءتك، قاله الأعمش‏.‏

الثاني‏:‏ صلاتك التي تصليها لله تعبّداً‏.‏

الثالث‏:‏ دينك الذي تدين به وأمرت باتباعه لأن أصل الصلاة الاتباع، ومنه أخذ المصلي في الخيل‏.‏ ‏{‏تأمرك‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ تدعوك إلى أمرنا‏.‏

الثاني‏:‏ فيها أن تأمرنا أن نترك ما يعبد آباؤنا يعني من الأوثان والأصنام‏.‏

‏{‏أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء‏}‏ فيه ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ ما كانوا عليه من البخس والتطفيف‏.‏

الثاني‏:‏ الزكاة، كان يأمرهم بها فيمتنعون منها، قاله زيد بن أسلم وسفيان الثوري‏.‏

الثالث‏:‏ قطع الدراهم والدنانير لأنه كان ينهاهم عنه، قال زيد بن أسلم‏.‏ ‏{‏إنك لأنت الحليم الرشيد‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ أنهم قالوا ذلك استهزاء به، قاله قتادة‏.‏

الثاني‏:‏ معناه أنك لست بحليم ولا رشيد على وجه النفي، قاله ابن عباس‏.‏

الثالث‏:‏ أنهم اعترفوا له بالحلم والرشد على وجه والحقيقة وقالوا أنت حليم رشيد فلِم تنهانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء‏؟‏ والحلم والرشد لا يقتضي منع المالك من فعل ما يشاء في ماله، قال ابن بحر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏88‏]‏

‏{‏قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ‏(‏88‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قال يا قوم أرأيتُم إن كُنتُ على بيِّنةٍ من ربي‏}‏ قد ذكرنا تأويله‏.‏ ‏{‏ورزقني منه رِزقاً حسناً‏}‏ فيه تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه المال الحلال، قاله الضحاك‏.‏

قال ابن عباس وكان شعيب كثير المال‏.‏

الثاني‏:‏ أنه النبوة، ذكره ابن عيسى، وفي الكلام محذوف وتقديره، أفأعدل مع ذلك عن عبادته‏.‏

ثم قال

‏{‏وما أريدُ أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه‏}‏ أي لا أفعل ما نهيتكم عنه كما لا أترك ما أمرتكم به‏.‏

‏{‏إنْ أريد إلا الإصلاح ما استطعت‏}‏ ومعناه ما أريد إلا فعل الصلاح ما استطعت، لأن الاستطاعة من شرط الفعل دون الإرادة‏.‏

‏{‏وما توفيقي إلا بالله عليه توكلْتُ وإليه أُنيب‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنّ الإنابة الرجوع ومعناه وإليه أرجع، قاله مجاهد‏.‏

الثاني‏:‏ أن الإنابة الدعاء، ومعناه وإليه أدعو، عبيد الله بن يعلى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏89- 90‏]‏

‏{‏وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ ‏(‏89‏)‏ وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ‏(‏90‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي‏}‏ في ‏{‏يجرمنكم‏}‏ تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ معناه لا يحملنكم، قاله الحسن وقتادة‏.‏

والثاني‏:‏ معناه لا يكسبنكم، قاله الزجاج‏.‏

وفي قوله ‏{‏شقاقي‏}‏ ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ إضراري، قاله الحسن‏.‏

الثاني‏:‏ عداوتي، قاله السدي ومنه قول الأخطل‏:‏

ألا من مبلغ قيساً رسولاً *** فكيف وجدتم طعمَ الشقاق

الثالث‏:‏ فراقي، قاله قتادة‏.‏

‏{‏أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوحٍ‏}‏ وهم أول أمة أهلكوا بالعذاب‏.‏

‏{‏أو قوم هودٍ أو قوم صالحٍ وما قوم لوطٍ منكم ببعيدٍ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ يعني بعد الدار لقربهم منهم، قاله قتادة‏.‏

الثاني‏:‏ بعد العهد لقرب الزمان‏.‏

ويحتمل أن يكون مراداً به قرب الدار وقرب العهد‏.‏

وقد أهلك قوم هود بالريح العاصف، وقوم صالح بالرجفة والصيحة، وقوم لوط بالرجم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏91- 92‏]‏

‏{‏قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ‏(‏91‏)‏ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ‏(‏92‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قالوا يا شعيبُ ما نفقهُ كثيراً مما تقول‏}‏ أي ما نفهم، ومنه سمي عِلم الدين فقهاً لأنه مفهوم، وفيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ ما نفقه صحة ما تقول من العبث والجزاء‏.‏

الثاني‏:‏ أنهم قالوا ذلك إعراضاً عن سماعه واحتقاراً لكلامه‏.‏

‏{‏وإنا لنراك ضعيفاً‏}‏ فيه سبعة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ ضعيف البصر، قاله سفيان‏.‏

الثاني‏:‏ ضعيف البدن، حكاه ابن عيسى‏.‏

الثالث‏:‏ أعمى، قاله سعيد بن جبير وقتادة‏.‏

الرابع‏:‏ قليل المعرفة وحيداً، قاله السدي‏.‏

الخامس‏:‏ ذليلاً مهيناً، قاله الحسن‏.‏

السادس‏:‏ قليل العقل‏.‏

السابع‏:‏ قليل المعرفة بمصالح الدنيا وسياسة أهلها‏.‏

‏{‏ولولا رهطك‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ عشيرتك، وهو قول الجمهور‏.‏

الثاني‏:‏ لولا شيعتك، حكاه النقاش‏.‏

‏{‏لرجمناك‏}‏ فيه وجهان‏:‏ أحدهما‏:‏ لقتلناك بالرجم‏.‏

الثاني‏:‏ لشتمناك بالكلام، ومنه قول الجعدي‏.‏

تراجمنا بمُرِّ القول حتى *** نصير كأننا فَرسَا رِهان

‏{‏وما أنت علينا بعزيز‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ بكريم‏.‏

الثاني‏:‏ بممتنع لولا رهطك‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله‏}‏ أي تراعون رهطي فيّ ولا تراعون الله فيّ‏.‏

‏{‏واتخذتموه وراءَكم ظهرياً‏}‏ فيه أربعة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ اطرحتم أمره وراء ظهوركم لا تلتفتون إليه ولا تعملون به، قاله السدي، ومنه قول الشاعر‏:‏

‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ *** وجَدْنا بني البرصاءِ من وَلَدِ الظّهْرِ

أي ممن لا يلتفت إليهم ولا يعتد بهم‏.‏

الثاني‏:‏ يعني أنكم حملتم أوزار مخالفته على ظهوركم، قاله السدي، من قولهم حملت فلاناً على ظهري اذا أظهرت عناده‏.‏

الثالث‏:‏ يعني أنكم جعلتم الله ظهرياً إن احتجتم استعنتم به، وإن اكتفيتم تركتموه‏.‏ كالذي يتخذه الجمَّال من جماله ظهرياً إن احتاج إليها حمل عليها وإن استغنى عنها تركها، قاله عبد الرحمن بن زيد‏.‏

الرابع‏:‏ إن الله تعالى جعلهم وراء ظهورهم ظهرياً، قاله مجاهد‏.‏

‏{‏إنّ ربي بما تعملون محيط‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ حفيظ‏.‏

الثاني‏:‏ خبير‏.‏

الثالث‏:‏ مُجَازٍ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏93- 95‏]‏

‏{‏وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ‏(‏93‏)‏ وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ‏(‏94‏)‏ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ‏(‏95‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ويا قوم اعملوا على مكانتكم‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ على ناحيتكم، قاله ابن عباس‏.‏

الثاني‏:‏ على تمكنكم، قاله ابن عيسى‏.‏

وقوله ‏{‏اعملوا‏}‏ يريد ما وعدوه من إهلاكه، قال ذلك ثقة بربة‏.‏

ثم قال جواباً لهم فيه تهديد ووعيد ‏{‏إني عاملٌ سوف تعلمون‏}‏ فيه وجهان‏:‏ أحدهما‏:‏ تعلمون الإجابة‏.‏ الثاني‏:‏ عامل في أمر من يأتي بهلاككم ليطهر الأرض منكم، وسترون حلول العذاب بكم‏.‏

‏{‏من يأتيه عذابٌ يخزيه‏}‏ قال عكرمة‏:‏ الغرق‏.‏

وفي ‏{‏يخزيه‏}‏ وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ يذله‏.‏

الثاني‏:‏ يفضحه‏.‏

‏{‏ومن هو كاذب‏}‏ فيه مضمر محذوف تقديره‏:‏ ومن هو كاذب يخزى بعذاب الله، فحذفه اكتفاء بفحوى الكلام‏.‏

‏{‏وارتقبوا‏}‏ أي انتظروا العذاب‏.‏

‏{‏إني معكم رقيب‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ إني معكم شاهد‏.‏

الثاني‏:‏ إني معكم كفيل‏.‏

وفيه وجه ثالث‏:‏ إني منتظر، قاله الكلبي‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏96- 99‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ‏(‏96‏)‏ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ‏(‏97‏)‏ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ‏(‏98‏)‏ وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ‏(‏99‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن اللعنة في الدنيا من المؤمنين وفي الآخرة من الملائكة‏.‏

الثاني‏:‏ أنه عنى بلعنة الدنيا الغرق، وبلعنة الآخرة النار، قاله الكلبي ومقاتل‏.‏

‏{‏بئس الرِّفد المرفود‏}‏ فيه ثلاث أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ بئس العون المعان، قاله أبو عبيدة‏.‏

الثاني‏:‏ أن الرَّفد بفتح الراء‏:‏ القدح، والرفد بكسرها ما في القدح من الشراب، حكي ذلك عن الأصمعي فكأنه ذم بذلك ما يُسقونه في النار‏.‏

الثالث‏:‏ أن الرفد الزيادة، ومعناه بئس ما يرفدون به بعد الغرق النار، قاله الكلبي‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏100- 101‏]‏

‏{‏ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ ‏(‏100‏)‏ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آَلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ‏(‏101‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ذلك من أنباء القُرى نقصُّه عليك‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ نخبرك‏.‏

الثاني‏:‏ نتبع بعضه بعضاً‏.‏

‏{‏منها قائمٌ وحصيدٌ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن القائم‏:‏ العامرة، والحصيد‏:‏ الخاوية قاله ابن عباس‏.‏

الثاني‏:‏ أن القائم‏:‏ الآثار، والحصيد‏:‏ الدارس، قاله قتادة، قال الشاعر‏:‏

والناس في قسم المنية بينهم *** كالزرع منه قائم وحصيد

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وما زادوهم غير تتبيب‏}‏ فيه ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ أن التتبيب الشر، قاله ابن زيد‏.‏

الثاني‏:‏ أنه الهلكة، قاله قتاة‏.‏ قال لبيد‏:‏

فلقد بَليتُ وكلُّ صاحب جِدّةٍ *** لبِلىً يعودُ وذاكم التتبيب

ومنه قول جرير‏:‏

عرابة من بقية قوم لوطٍ *** ألا تباً لما فعلوا تبابا

الثالث‏:‏ التخسير، وهو الخسران، قاله مجاهد وتأول قوله تعالى ‏{‏تبَّتْ يدا أبي لهب‏}‏ ‏[‏المسد‏:‏ 1‏]‏ أي خسرت‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏102- 105‏]‏

‏{‏وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ‏(‏102‏)‏ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ‏(‏103‏)‏ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ‏(‏104‏)‏ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ‏(‏105‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه‏}‏ فيه ثلاث تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ لا تشفع إلا بإذنه‏.‏

الثاني‏:‏ لا تتكلم إلا بالمأذون فيه من حسن الكلام لأنهم ملجؤون إلى ترك القبيح‏.‏

الثالث‏:‏ أن لهم في القيامة وقت يمنعون فيه من الكلام إلا بإذنه‏.‏

‏{‏فمنهم شقيٌ وسعيد‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ محروم ومرزوق، قاله ابن بحر‏.‏

الثاني‏:‏ معذب ومكرم، قال لبيد‏.‏

فمنهم سعيد آخذٌ بنصيبه *** ومنهم شقي بالمعيشة قانعُ

ثم في الشقاء والسعادة قولان‏:‏ أحدهما‏:‏ أن الله تعالى جعل ذلك جزاء على عملهما فأسعد المطيع وأشقى العاصي، قاله ابن بحر‏.‏

الثاني‏:‏ أن الله ابتدأهما بالشقاوة والسعادة من غير جزاء‏.‏ وروى عبد الله بن عمر عن أبيه أنه قال‏:‏ لما نزلت ‏{‏فمنهم شقي وسعيد‏}‏ قلت‏:‏ يا رسول الله فعلام نعمل‏؟‏ أعلى شيء قد فرغ منه أم على ما لم يفرغ منه‏؟‏ فقال‏:‏ «بلى على شيء قد فرغ منه يا عمر، وجرت به الأقلام ولكن كل شيء ميسور لما خلق له

»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏106- 107‏]‏

‏{‏فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ‏(‏106‏)‏ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ‏(‏107‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق‏}‏ فيه أربعة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ أن الزفير الصوت الشديد، والشهيق الصوت الضعيف، قاله ابن عباس‏.‏

الثاني‏:‏ أن الزفير في الحلق من شدة الحزن، مأخوذ من الزفير، والشهيق في الصدر، قاله الربيع بن أنس‏.‏

الثالث‏:‏ أن الزفير تردد النفس من شدة الحزن، مأخوذ من الزفر وهو الحمل على الظهر الشدته، والشهيق النفس الطويل الممتد، مأخوذ من قولهم جبل شاهق أي طويل، قاله ابن عيسى‏.‏

الرابع‏:‏ أن الزفير أول نهيق الحمار، والشهيق آخر نهيقه، قال الشاعر‏:‏

حشرج في الجوف سحيلاً أو شهق *** حتى يقال ناهق وما نهق

‏{‏خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلى ما شاء ربك‏}‏ فيه ثمانية تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ خالدين فيها ما دامت سماء الدنيا وأرضها إلا ما شاء ربك من الزيادة عليها بعد فناء مدتها حكاه ابن عيسى‏.‏

الثاني‏:‏ ما دامت سموات الآخرة وأرضها إلا ما شاء ربك من قدر وقوفهم في القيامة، قاله بعض المتأخرين‏.‏

الثالث‏:‏ ما دامت السموات والأرض، أي مدة لبثهم في الدنيا، قاله ابن قتيبة‏.‏

الرابع‏:‏ خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك من أهل التوحيد أن يخرجهم منها بعد إدخالهم إليها، قاله قتادة، فيكونون أشقياء في النار سعداء في الجنة، حكاه الضحاك عن ابن عباس، وروى يزيد بن أبي حبيب عن أنس بن مالك قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «يدخل ناس جهنم حتى إذا صاروا كالحمحمة أخرجوا منها وأدخلوا الجنة فيقال هؤلاء الجهنميون

» الخامس‏:‏ إلا ما شاء من أهل التوحيد أن لا يدخلهم إليها، قاله أبو نضرة يرويه مأثوراً عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

السادس‏:‏ إلا ما شاء ربك من كل من دخل النار من موحد ومشرك أن يخرجه منها إذا شاء، قاله ابن عباس‏.‏

السابع‏:‏ أن الاستثناء راجع إلى قولهم ‏{‏لهم فيها زفير وشهيق‏}‏ إلا ما شاء ربك من أنواع العذاب التي ليست بزفير ولا شهيق مما لم يسم ولم يوصف ومما قد سمّي ووصف، ثم استأنف ‏{‏ما دامت السموات والأرض‏}‏ حكاه ابن الأنباري‏.‏

الثامن‏:‏ أن الاستثناء واقع على معنى لو شاء ربك أن لا يخلدهم لفعل ولكن الذي يريده ويشاؤه ويحكم به تخليدُهم وفي تقدير خلودهم بمدة السموات والأرض وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنها سموات الدنيا وأرضها، ولئن كانت فانية فهي عند العرب كالباقية على الأبد فذكر ذلك على عادتهم وعرفهم كما قال زهير‏:‏

ألا لا أرى على الحوادث باقيا *** ولا خالداً إلا الجبال الرواسيا

والوجه الثاني‏:‏ أنها سموات الآخرة وأرضها لبقائها على الأبد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏108‏]‏

‏{‏وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ‏(‏108‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وأمّا الذين سُعدُوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك‏}‏ فيها خمسة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ دامت سموات الدنيا وأرضها إلا ما شاء ربك من الزيادة عليها في الخلود فيها‏:‏

الثاني‏:‏ إلا ما شاء ربك من مدة يوم القيامة‏.‏

الثالث‏:‏ إلا ما شاء ربك من مدة مكثهم في النار إلى أن يخرجوا منها، قاله الضحاك‏.‏

الرابع‏:‏ خالدين فيها يعني أهل التوحيد، إلا ما شاء ربك يعني أهل الشرك، وهو يشبه قول أبي نضرة‏.‏

الخامس‏:‏ خالدين فيها إلا ما شاء ربك أي ما شاء من عطاء غير مجذوذ، فتكون ‏{‏إلا‏}‏ هنا بمعنى الواو كقول الشاعر‏:‏

وكلُّ أخٍ مفارقُهُ أخوه *** لعمر أبيك إلا الفرقدان‏.‏

أي والفرقدان‏.‏

‏{‏عطاءً غير مجذوذ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ غير مقطوع‏.‏

الثاني‏:‏ غير ممنوع‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏109- 111‏]‏

‏{‏فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آَبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ ‏(‏109‏)‏ وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ‏(‏110‏)‏ وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ‏(‏111‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏‏.‏‏.‏‏.‏ وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ نصيبهم من الرزق، قاله أبو العالية‏.‏

الثاني‏:‏ نصيبهم من العذاب، قاله ابن زيد‏.‏

الثالث‏:‏ ما وعدوا به من خير أو شر، قاله ابن عباس‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏112- 113‏]‏

‏{‏فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏(‏112‏)‏ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ‏(‏113‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ولا تركنوا إلى الذين ظلموا‏}‏ فيه أربعة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ لا تميلوا، قاله ابن عباس‏.‏

الثاني‏:‏ لا تدنوا، قاله سفيان‏.‏

الثالث‏:‏ لا ترضوا أعمالهم، قاله أبو العالية‏.‏

الرابع‏:‏ لا تدهنوا لهم في القول وهو أن يوافقهم في السر ولا ينكر عليهم في الجهر‏.‏

ومنه قوله تعالى ‏{‏ودّوا لو تدهن فيدهنون‏}‏ ‏[‏القلم‏:‏ 9‏]‏، قاله عبد الرحمن بن زيد‏.‏

‏{‏فتمسكم النار‏}‏ يحتمل وجيهن‏:‏

أحدهما‏:‏ فيمسكم عذاب النار لركونكم إليهم‏.‏

الثاني‏:‏ فيتعدى إليكم ظلمهم كما تتعدى النار إلى إحراق ما جاورها، ويكون ذكر النار على هذا الوجه استعارة وتشبيهاً، وعلى الوجه الأول خبراً ووعيداً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏114- 115‏]‏

‏{‏وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ‏(‏114‏)‏ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏115‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وأقم الصلاة طرفي النهار‏}‏ أما الطرف الأول فصلاة الصبح باتفاق وأما الطرف الثاني ففيه ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنه عنى صلاة الظهر والعصر، قاله مجاهد‏.‏

الثاني‏:‏ صلاة العصر وحدها، قاله الحسن‏.‏

الثالث‏:‏ صلاة المغرب، قاله ابن عباس‏.‏

‏{‏وزلفاً من الليل‏}‏ والزلف جمع زلفة، والزلفة المنزلة، فكأنه قال ومنازل من الليل، أي ساعات من الليل، وقيل إنما سميت مزدلفة من ذلك لأنها منزل بعد عرفة، وقيل سميت بذلك لازدلاف آدم من عرفة إلى حواء وهي بها، ومنه قول العجاج في صفة بعير‏:‏

ناجٍ طواه الأين مما وجفا *** طيَّ الليالي زُلَفاً فزلفا

وفي معنى ‏{‏زلفاً من الليل‏}‏ قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ صلاة العشاء الآخرة، قاله ابن عباس ومجاهد‏.‏

الثانية‏:‏ صلاة المغرب والعشاء والآخرة، قاله الضحاك ولحسن ورواه مرفوعاً‏.‏

‏{‏إن الحسنات يذهبن السيئات‏}‏ في هذا الحسنات أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ الصلوات الخمس، قاله ابن عباس والحسن وابن مسعود والضحاك‏.‏

الثاني‏:‏ هي قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، قاله مجاهد قال عطاء‏:‏ وهن الباقيات الصالحات‏.‏

الثالث‏:‏ أن الحسنات المقبولة يذهبن السيئات المغفورة‏.‏

الرابع‏:‏ أن الثواب الطاعات يذهبن عقاب المعاصي‏.‏

‏{‏ذلك ذكرى للذاكرين‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ توبة للتائبين، قاله الكلبي‏.‏

الثاني‏:‏ بيان للمتعظين، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «واتبع السيئة الحسنة تمحها

» وسبب نزول هذه الآية ما روى الأسود عن ابن مسعود قال‏:‏ جاء رجل الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني عالجت امرأة في بعض أقطار المدينة فأصبت منها دون أن أمسّها وأنا هذا فاقض فيّ ما شئت‏.‏ فقال له عمر‏:‏ لقد سترك الله لو سترت على نفسك‏.‏ ولم يردّ عليه النبي صلى الله عيله وسلم شيئاً‏.‏ فنزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذركى للذاكرين‏}‏ فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليه فقال عمر‏:‏ يا رسول الله أله خاصة أم للناس كافة‏؟‏ فقال‏:‏ «بل للناس كافة» قال أبو موسى طمحان‏:‏ إن هذا الرجل أبو اليسر الأنصاري وقال ابن عابس هو عمرو بن غزية الأنصاري، وقال مقاتل‏:‏ هو عامر بن قيس الأنصاري‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏116- 117‏]‏

‏{‏فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ ‏(‏116‏)‏ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ‏(‏117‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ أولو طاعة

الثاني‏:‏ أولو تمييز‏.‏

الثالث‏:‏ أولو حذر من الله تعالى‏.‏

‏{‏ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أُترفوا فيه وكان مجرمين‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ أنهم اتبعوا على ظلمهم ما أترفوا فيه من استدامة نعمهم استدراجاً لهم‏.‏

الثاني‏:‏ أنهم أخذوا بظلمهم فيما أترفوا فيه من نعمهم‏.‏ والمترف‏:‏ المنعّم‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ أترفوا فيه‏:‏ معناه انظروا فيه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏118- 119‏]‏

‏{‏وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ‏(‏118‏)‏ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ‏(‏119‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ولو شاء ربُّك لجعل الناس أمّةً واحدةً‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ على ملة الإسلام وحدها، قاله سعيد بن جبير‏.‏

الثاني‏:‏ أهل دين واحد، أهل ضلالة وأهل هدى، قاله الضحاك‏.‏

‏{‏ولا يزالون مختلفين إلا من رَحِمَ ربّك‏}‏ فيه ستة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ مختلفين في الأديان إلا من رحم ربك من أهل الحق، قاله مجاهد وعطاء‏.‏

الثاني‏:‏ مختلفين في الحق والباطل إلا من رحم ربك من أهل الطاعة، قاله ابن عباس‏.‏

الثالث‏:‏ مختلفين في الرزق فهذا غني وهذا فقير إلا من رحم ربك من أهل القناعة‏.‏ قاله الحسن‏.‏

الرابع‏:‏ مختلفين بالشقاء والسعادة إلا من رحم ربك بالتوفيق‏.‏

الخامس‏:‏ مختلفين في المغفرة والعذاب إلا من رحم ربك بالجنة‏.‏

السادس‏:‏ أنه معنى مختلفين أي يخلف بعضهم بعضاً، فيكون من يأتي خلفاً للماضي لأن سوءاً في كل منهم خلف بعضهم بعضاً، فاقتتلوا ومنه قولهم‏:‏ ما اختلف الجديدان، أي جاء هذا بعد ذاك، قاله ابن بحر‏.‏

‏{‏ولذلك خلقهم‏}‏ فيه أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ للاختلاف خلقهم، قاله الحسن وعطاء‏.‏

الثاني‏:‏ للرحمة خلقهم، قاله مجاهد‏.‏

الثالث‏:‏ للشقاء والسعادة خلقهم، قاله ابن عباس‏.‏

الرابع‏:‏ للجنة والنار خلقهم، قاله منصور بن عبد الرحمن‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏120‏]‏

‏{‏وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ‏(‏120‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبتُ به فؤادك‏}‏ أي نقوّي به قلبك وتسكن إليه نفسك، لأنهم بُلُوا فصبروا، وجاهدوا فظفروا‏.‏

‏{‏وجاءَك في هذه الحقُّ‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ في هذه السورة، قاله ابن عباس وأبو موسى‏.‏

الثاني‏:‏ في هذه الدنيا، قاله الحسن وقتادة‏.‏ الثالث‏:‏ في هذه الأنباء، حكاه ابن عيسى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏121- 123‏]‏

‏{‏وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ ‏(‏121‏)‏ وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ‏(‏122‏)‏ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ‏(‏123‏)‏‏}‏

وفي هذا ‏{‏الحق‏}‏ وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ صدق القصص وصحة الأنباء وهذا تأويل من جعل المراد السورة‏.‏

الثاني‏:‏ النبوة، وهذا تأويل من جعل المراد الدنيا‏.‏

‏{‏وموعظةُ‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ القرآن الذي هو وعظ الله تعالى لخلقه‏.‏

الثاني‏:‏ الاعتبار بأنباء من سلف من الأنبياء ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم «والسعيد من وعظ بغيره»‏.‏